عبد القادر الجيلاني

17

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ [ إبراهيم : الآية 27 ] . وأنزل عليهم سكينة الأنس ، وأنبت فيها شجرة التّوحيد ، أصلها ثابت في الأرض السّابعة ، بل في تحت الثّرى ، وفرعها في السّماء السّابعة ، بل إلى ما فوق العرش كما قال اللّه تعالى : . . . كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [ إبراهيم : الآية 24 ] . وربحه حياة القلب . ومشاهدته في عالم الملكوت مثل مشاهدة الجنان وأهلها وأنوارها وملائكتها ، ومثل نطق الباطن بلسانه بملاحظة أسماء الباطن بلا نطق ولا حرف . ومسكنه في الآخرة الجنّة الثّانية وهي جنة النّعيم . وحانوت الرّوح السّلطانيّ الفؤاد ، ومتاعه المعرفة ، ومعاملته بملازمة الأسماء الأربعة من المتوسطات بلسان الجنان كما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « العلم علمان : علم باللّسان ؛ وذلك حجّة اللّه تعالى على ابن آدم . وعلم بالجنان ؛ فذلك العلم النّافع » « 1 » ؛ لأنّ أكثر منافع العلم في هذه الدّائرة . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ للقرآن ظهرا وبطنا ، ولبطنه بطنا ، إلى سبعة أبطن » « 2 » ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ اللّه أنزل القرآن على عشرة أبطن » « 3 » . فكلّ ما هو أبطن فهو أنفع وأربح لأنّه مفن » . وهذه الأسماء بمنزلة اثنتي عشرة عينا انفجرت من ضرب بعصا موسى عليه الصّلاة والسّلام كما قال اللّه تعالى : وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . . . [ البقرة : الآية 60 ] . فعلم الظّاهر كالماء المطهّريّ العارضيّ . وعلم الباطن كالماء العينيّ الأصليّ ، وهو الأنفع من الأوّل ولا ينقطع كما قال اللّه تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ [ يس : الآية 33 ] .

--> ( 1 ) رواه الدارمي ( 1 / 114 ) ، والربيع في مسنده ( 1 / 365 ) ، وابن أبي شيبة في المصنف ( 7 / 82 ) . ( 2 ) لم أقف عليه بهذا اللفظ ، وروى ابن حبان نحوه في صحيحه ( 1 / 276 ) ، وعبد الرزاق في المصنف ( 3 / 358 ) ، والبزار في مسنده ( 5 / 42 ) ، وأبو يعلى في مسنده ( 9 / 278 ) ، والطبراني في الكبير ( 10 / 105 ) ، وفي الأوسط ( 1 / 236 ) . ( 3 ) انظر : الذي قبله .